Pages

الأحد، 31 مارس 2013

حوار:أفق انتظار القارئ أصبحت تصنعه المسلسلات التركية والمكسيكية


الكاتب الروائي جلول قاسمي: أفق انتظار القارئ أصبحت تصنعه المسلسلات التركية والمكسيكية

جلول قاسمي صوت روائي شق طريقه الإبداعي بنص روائي أول بعنوان «سيرة للعته والجنون» في طبعتين، ثم أتبعه
بمجموعة من النصوص الروائية كـ «سوانح الصمت والسراب» ورواية «مدارج الهبوط» عن منشورات اتحاد كتاب المغرب. وأخيرا رواية «العابر» الصادرة عن دار إفريقيا الشرق عام 2009. «الوطن الآن» التقت جلول قاسمي، وأجرت معه الحوار التالي:

* مسقط الرأس ومرابع الطفولة أمكنة تستبد بأعمالك السردية، لا سيما في نصك الروائي الأول «سيرة للعته والجنون»، فهل هو فعل إبداعي تلقائي أم أمر مقصود، تهدف من ورائه إلى تأسيس شخصية روائية متميزة عبر كتابة متون روائية تحتفي بالفضاءات الهامشية؟
** داخل كل مبدع يسكن طفل مشاكس يأبى الرحيل. لذلك فالمبدعون عموما أطفال كبار. لذلك مازلنا لم نقل كل شيء. مازالت في مناطق لاشعورنا مناطق مظلمة لم تر الضوء. نستعيد عبرها بين الحين والآخر شغبنا الجميل الواعي والمنظم أحيانا وغير الواعي والفوضوي في أحيان أخرى. تاريخ الحرمان في وجودي يرهنني لهذا الاختيار أستعيده للتنصل منه وأكاد أزعم أن هناك شبه انتقام يمارسه عقلي الباطن تجاه اللحظات الأليمة في تاريخي الشخصي أستعيد أحلاما مجهضة وأشكلها من جديد أراها بعين أخرى قد تنقدها قد تعيد تشكليلها كلحظات بانية في التاريخ الشخصي. أغلب كتاب العالم الثالث، ينطلقون من فضاءات هامشية أقصد المواطن التي وعاها عقلهم الباطن من خلال ترسبات الطفولة، حيث تصبح الطفولة عادة مع مرور الوقت وتراكم الخبرات والتجارب منطقة يؤوب إليها المبدع بوعي أو بغير وعي. ذلك أن الطفل القديم ما يفتأ يتحرك داخلنا كلما فاض بنا الكيل مرة أو مرات حسب صروف الحياة وتقلبات الزمن. وبالمناسبة فالزمن عنصر حيوي في النص الروائي، فهو بالإضافة إلى وظيفته البنائية فهو أيضا حركة تتجه دوما نحو نقطة حاسمة في كينونة الكائنات التي تتعايش داخل الدوامة التي خلقها موجد النص. لذلك فكل كائنات النص محكومة بحركة ارتدادها نحو الأصل. ربما يكون ذلك هو توقها لنهاية ما. ربما يصبح المحو إحدى تلك الممكنات التي تحلم بها في نهاية الكشف.. وهنا ما زلت أذكر نصا شعريا رائعا لشاعر جاهلي يتحدث عن فعل الزمن في الكائن الآدمي، لأنه يعيد تشكيله نحو إمكانية لا يحسب لها حسابا. وقصيدة مالك بن الريب الشهيرة علامة على الإحساس بضغط الزمن وحركة المحو تلك.. فهناك طموحات تتحقق وأخرى تنهدم وتسقط طي التراب.. ربما لهذا يظل شبح الهامش يطارد أغلب كتاب الطبقة الفقيرة، حتى ولو حاول الكاتب تغييبه فإنه سيطفو على السطح..

* ترتاد الروايتان معا معالم مثخنة بالهموم اليومية، وتظل وفية لعالم الهامش، حيث تنفتح في أكثر من مستوى على العامية واللهجات المحلية، إلى أي مدى ترى الاتكاء على هذه المعطيات كافيا لإنتاج نص روائي؟
** سؤالك يحيل على موقف من الكتابة، وبشكل أخص على تصور للكتابة الروائية. الرواية كما تعلم عالم كثيف وبالغ التعقيد وليست هناك وصفة نقدية جاهزة لطريقة إنتاج نص روائي. فالرواية باتفاق كل النظريات الحديثة نص مفتوح، وهو قيد التشكل ولم يختم الحديث فيه بعد، لهذا فهو قابل للاختراق وذو طبيعة متعددة تتداخل فيه كل النصوص العالمة والشفوية.. وبناء عليه فكل إنسان على هذه الأرض إلا ويحمل في ذاته مشروع حكواتي.. تذكر معي جيدا حكايات الجدات الطويلة والعجيبة والآسرة بإخراجها وجماليتها، تصور معي أيضا حكايات بعضنا لبعض في الأسمار والجلسات الخاصة... إنما العالم الروائي والمقصود هنا الأدبي بالمضمون الحديث والنقدي لمضمون رواية لابد من توفر العناصر السالفة الذكر كي يتجاوب مع قارئه ومتلقيه، وكلما امتلك الكاتب لغته ومتح من تراثه الشفوي والمكتوب وتشرب تاريخ أمته المحلي والوطني والعالمي، كلما كان النص يحقق نوعا من الأدبية والمقروئية.

* تحتفي نصوصك الروائية بلغة تمتاح من التراث الأدبي للأمة وتتغذى عل الشعر والأهازيج. فهل هو أمر مقصود؟
**
هناك نوع من التعاقد الضمني قائم بين الكاتب والقارىء. ويقوم على قاعدة احترام الذوق العام لما تم إنجازه في سياق التاريخ الأدبي و في دائرة الجنس السردي الذي نشتغل داخله. كثيرة هي النصوص السردية التي ترغب في تحقيق تخييب أفق انتظار القارىء بدعوى تغيير ذائقة المتلقي حسب هذا الزعم. أفق انتظار القارىء لاتصنعه الرواية (مع تدني مستوى القراءة وارتفاع تكلفة الكتاب) فقط بل تصنعه المسلسلات المكسيكية والتركية والسورية والمصرية.... وكلها تتناسخ من حيث بعدها الجمالي وخواتمها.. ونحن بهذا الزعم لا يمكن أن نصنع أفقا جديد داخل هذا التراكم الذوقي الذي تشكل عبر عشرات الأعوام.. أرجو أن نفكر في أن القارىء المغربي  والعربي عموما ليس كلا متجانسا.. فما يصدق على النخبة وهي قليلة لايصدق على القطاع العريض من القراء الذين صنع جلهم هذا النوع من الإعلام.

* سؤال النقد وعلاقته بالنقد الروائي بالمغرب موضوع يثير الجدل ويجعل البعض من المبدعين يحس بالامتعاض من إشكالية الهامش والمركز خصوصا ونحن نلاحظ احتفاء النقد بأسماء دون أخرى، فما هو تعليقك؟
** حين تصفو النيات يصحو النقد وينتبه.. ولا «تصبح عين الحسن كليلة» على رأي الشاعر القديم.. الأدب عموما يحتاج إلى من يرعاه من كبار الكتاب الذين سبقوا في مضامير القول. يحتاج إلى آذان تنصت إلى ضمير الأمة وتسهم في صياغة وعيها الثقافي لا إلى الصداقة والمصلحة، ولا إلى فلان باعتباره عملاقا وعلان باعتباره قزما، لأن العملاق لم يولد عملاقا ولا القزم سيبقى كذلك إلى أبد الآبدين. وهنا لا يفوتني التنويه بمواقف الأديب الناقد الأستاذ نجيب العوفي النقدية الذي يحتضن أغلب التجارب الأدبية للمبدعين الشباب عبر التوجيه والتقويم   والرعاية.

* وماذا عن اتحاد كتاب المغرب؟
** على رأي شاعر معاصر، فإن أسوأ الأيام لم نعشها بعد ويبدو أن تباشيرها هلت هذه السنوات. ولعل لعنة ماحقة حلت بجمع المثقفين، فجعلته أثرا بعد عين.  لكل ذلك، فإن أرض الله واسعة لمن أراد أن يكتب  وينتج وما فرق الله الرؤوس إلا لترتاح.. أما أمر الاتحاد فنرجو أن تتغلب الحكمة على ما عداها ويعود الذين وضعنا ثقتنا فيهم إلى طاولة الحوار مستجيبين لإرادة ناخبيهم ويسمعونا ما يثلج الصدر في ما يستقبل من الأيام.
حاوره: عبد المجيد بن الطاهر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق